عبد القادر الجيلاني
189
فتوح الغيب
المقالة السّادسة والثّلاثون في بيان الدّنيا والآخرة وما ينبغي أن يعمل فيهما اجعل آخرتك : رأس مالك ، ودنياك : ربحه ، واصرف زمانك أوّلا في تحصيل آخرتك ، ثمّ إن فضل من زمانك شيء اصرفه في دنياك وفي طلب معاشك . ولا تجعل دنياك : رأس مالك ، وآخرتك : ربحه ، ثمّ إن فضل من الزّمان فضلة صرفتها في آخرتك تقضي فيها الصّلوات تسبكها سبيكة واحدة ساقطة الأركان ، مختلفة الواجبات من غير ركوع ولا سجود « 1 » وطمأنينة بين الأركان ، أو يلحقك التّعب والإعياء فتنام عن القضاء جملة ، جيفة في اللّيل بطّالا في النّهار ، تابعا لنفسك وهواك وشيطانك ، وبائعا آخرتك بدنياك عند « 2 » النّفس ومطيّتها ومركبها ، وأمرت بركوبها وتهذيبها ورياضتها والسّلوك بها في سبيل السّلامة - وهي طرف الآخرة - وطاعة مولانا عزّ وجلّ ، فظلمتها بقبولك منها ، وسلّمت زمانها إليها وتبعتها في شهواتها ولذّاتها وموافقتها وشيطانها وهواها ففاتك خير الدّنيا والآخرة وخسرتهما فدخلت القيامة أفلس النّاس وأخسرهم دينا ودنيا ، وما وصلت بمتابعتها إلى أكثر من قسمك من دنياك ، ولو سلكت طريق الآخرة وجعلتها رأس مالك ربحت الدّنيا والآخرة ، ووصل « 3 » إليك قسمك من الدّنيا هنيئا مريئا وأنت مصون مكرم ، كما قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم : « إنّ اللّه يعطي الدّنيا على نيّة الآخرة ، ولا يعطي الآخرة على نيّة الدّنيا » « 4 » .
--> ( 1 ) في نسخة : ( وسجود ) . ( 2 ) في نسخة : ( عبد ) . ( 3 ) في المطبوع : ( ووصلت ) . ( 4 ) رواه ابن المبارك في الزهد ( 549 ) ومن طريقه القضاعي في مسند الشهاب ( 1108 ) عن عيسى بن سبرة المدني قال : حدثني من سمع أنس بن مالك ، يحدث عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « إن اللّه يعطي الدنيا على نية الآخرة ، وأبى أن يعطي الآخرة على نية الدنيا » . ورواه القضاعي ( 1109 ) من طريق أبي جعفر محمد بن جرير الطبري ، عن ابن أبي العنبس ، عن أحمد بن أسد البجلي أبي عاصم ابن بنت مالك بن مغول ، عن عبد اللّه بن المبارك ، عن ابن -